
هذه هي جزيرة تينيان النائية في المحيط الهادئ والتي كانت تستضيف مطار نورثفيلد، القاعدة المسؤولة عن صيانة الطائرات التي أسقطت القنابل الذرية على هيروشيما وناغاساكي، وقد هجرت الولايات المتحدة مطارات الحرب العالمية الثانية، ليتحول إلى غابةٍ بعد أن انتفت الحاجة إليه.
لكن لقطات الأقمار الصناعية الحديثة تُظهر أعمالاً جارية لإزالة الغطاء النباتي. إذ تزيل الطواقم العسكرية الأشجار الكثيفة لكشف البنية التحتية المحلية، وتُعيد الولايات المتحدة تأهيل المطار حتى يعود لسابق عهده، من أجل مجابهة عدوٍ جديد.
لم يشعر البنتاغون بالحاجة إلى تينيان منذ عقود، لكن الصين طوّرت فئةً جديدة من الأسلحة القادرة على ضرب أهداف بعيدة، بما في ذلك القواعد الأمريكية في سلسلة الجزر الثانية، لهذا يحاول البنتاغون التكيّف.
ومن أجل مجابهة الصين والاستعداد للصراع المحتمل؛ تلجأ الولايات المتحدة إلى استراتيجية تُدعى “المحور والشعاع”.
يعتمد هذا النهج على نشر الموارد والأصول بطول منطقةٍ أكبر، بدلاً من الاحتفاظ بها كلها في مكانٍ واحد، ففي حال تعرّضت قاعدة أمريكية رئيسية للتهديد؛ ستتمكن طائراتها المحلية من التحليق إلى شبكةٍ من المواقع الأصغر، ما يساعد الولايات المتحدة على مواصلة القتال من قواعدها المجهزة الأصغر. بينما ستحافظ القاعدة الأكبر على دورها كمحورٍ أمامي لنشر القوات في القواعد الأصغر، ما سيعطل عمليات الاستهداف من جانب العدو .
منصة أسباب وبالشراكة مع Caspian Report، تشرح لكم في هذا الفيديو لماذا يُرمِّم الجيش الأمريكي مطارات الحرب العالمية الثانية؟
مطارات الحرب العالمية الثانية “رقعة شطرنج البحار المفتوحة”
تقع قاعدة يولين البحرية عند الطرف الجنوبي من جزيرة هاينان، وقد بُنِيَت عام 1955، وتُعَدُّ القاعدة الرئيسية للبحرية الصينية اليوم. وخلال القرن العشرين، لم تكن سوى مجرد قاعدة دعم لأسطول بحر الصين الجنوبي الهزيل آنذاك، لكن قاعدة يولين البحرية تحوّلت اليوم إلى حجر أساس في جهود إحياء البحرية الصينية.
وتأتي ضمن مشروع يضم 200 موقع عسكري بتكلفة 50 مليار دولار، ويهدف لفرض التفوّق الصيني في المحيط الهادئ. وصحيحٌ أن البحرية الأمريكية لا تزال على قمة الهرم الغذائي، لكن قوة بحرية الصين المتنامية تحرك المياه الراكدة.
- تخطط البحرية الصينية للهيمنة على سلسلة الجزر الأولى بحلول 2030
- اليهمة على سلسلة الجزر الثانية بحلول 2050
- تُسرِّع الصين وتيرة بناء الفرقاطات، والغواصات، وحاملات الطائرات، والقذائف، والصواريخ، والطائرات
مع إتمامها لإنجازٍ تلو الآخر؛ تسبَّب حجم وسرعة عملية التسلُّح هذه في دق أجراس الخطر داخل البنتاغون. إذ يُظهر فيديو نشرته القوات الجوية الصينية قاذفة قنابل نووية، وهي تشن هجوم محاكاة على ما يبدو أنها قاعدة أندرسن في غوام، وتُمثِّل قواعد العمليات الأمامية في سلسلة الجزر الثانية، كقاعدة أندرسن، نقاط الانطلاق الرئيسية للولايات المتحدة في أي صراع بالمنطقة، إذ لا تتجاوز المسافة بين غوام ومضيق تايوان الـ5,000 كلم؛ لذا تلعب دوراً محورياً في قدرة أمريكا على فرض نفوذها في المحيط الهادئ، ما يجعل غوام هدفاً استراتيجياً.
وربما تتخلف القوات الصينية عن نظيرتها الأمريكية من حيث القوة النيرانية النسبية، لكنها تتمتع بأفضلية عددية، كما أن التقدم في تقنيات الصواريخ، ونمو أسطول الطائرات المُسيّرة يعني زيادة قدرة بكين على غمر الدفاعات الجوية القائمة. وليس هذا خافياً على البنتاغون، ومن أجل تحسين دفاعات غوام؛ يخطط الجيش الأمريكي لتركيب شبكة دفاع صاروخي متعددة الطبقات، على أن تدمج أنظمة مثل ثاد، والدرع القتالي، وباتريوت.
ومع ذلك، سيظل بالإمكان غمر أكثر أنظمة الدفاع الجوي تطوراً، لهذا تغير الولايات المتحدة أسلوبها الدفاعي، فبدلاً من قتال الصين الند بالند؛ ستوزع أمريكا طائراتها لتزيد صعوبة تدميرها. وهنا يأتي دور نظام المحور والشعاع والذي يعتمد على نشر الموارد والأصول بطول منطقة أكبر، ليمنح أمريكا مزيداً من المرونة، ويقلل خطر تعرضها لهجوم آخر على غرار بيرل هاربر.
وترتبط هذه الحاجة لمرونةٍ أكبر بالتقدمات التقنية الهائلة التي أحرزتها الصين، خاصةً على صعيد ترسانتها الصاروخية التي تتوسع سريعاً، وهذا يشمل صاروخ دونج فينج-26 البالستي متوسط المدى، والمعروف باسم قاتل غوام.
- يصل مدى تشغيل هذا الصاروخ إلى نحو 4,000 كلم، لكن معدل إنتاجه مذهلٌ بالقدر نفسه.
- تقدر وزارة الدفاع الأمريكية أن الصين زادت صواريخ دونج فينج-26 في ترسانتها، من 300 صاروخ في 2021 إلى 500 صاروخ في 2022
- 250 منصة إطلاقٍ للصاروخ
- يتمثل تهديدٌ رئيسيٌ آخر في صاروخ دونج فينج-17 فرط الصوتي
- يتمتع هذا الصاروخ بمدى أقصر يبلغ 1,600 كلم فقط، لكنه يطلق مركبة جوية انزلاقية
- يمكن تحميله في الغواصات
وبعكس الصواريخ البالستية التقليدية ذات المسار المتوقع؛ تستطيع المركبات الانزلاقية فرط الصوتية تغيير اتجاهها في منتصف الرحلة، ما يزيد صعوبة إسقاطها بالدفاعات الجوية. ويُشكِّل هذان الصاروخان، دونج فينج-26 ودونج فينج-17، تهديداً لقاعدة أندرسن. وتقول تقديرات مناورات الحرب الأخيرة إن 90% من خسائر القوات الجوية الأمريكية ستحدث على الأرض حال الحرب.
ولنضع الأمور في نصابها؛ يُعد هجوم بيرل هاربر أسوأ هزيمة في تاريخ القوات الجوية الأمريكية. فقد شهد تدمير 188 من أصل 390 طائرة، بمعدل خسائر بلغ 48%، وإذا كان ذلك الهجوم مدمراً لتلك الدرجة؛ فتخيل معنى خسارة 90% من الطائرات، إنه يعني هذا خسارة الحرب قبل نهاية المعركة.
مراجعة المواقف
تعني مساحة المحيط الهادئ الشاسعة أن الحرب البحرية ستقتصر على عددٍ محدود من نقاط الاختناق الملاحية، إذ سيطرت اليابان على أغلب سلسلة الجزر الثانية إبان الحرب العالمية الثانية، وكانت جزر ماريانا المسرح الرئيسي للعمليات اليابانية في المحيط الهادئ، بما في ذلك غوام وتينيان وسايبان.
ومن خلال احتلال تلك الجزر؛ منع اليابانيون الأمريكيين من فرض نفوذهم في بحر الفلبين ما لعب دوراً في حماية البر الرئيسي لليابان. وبعد سيطرة القوات الأمريكية على تلك الجزر؛ نُقِلَت إليها قاذفات بي-29 سوبر فورترس لتصبح قادرةً على قطع الرحلة إلى البر الرئيسي لليابان وتايوان والفلبين، وقيَّد هذا خيارات اليابان العسكرية، ليحسم هزيمتها في النهاية.
ربما تغيَّر مصدر التهديد اليوم، لكن الأفضلية الاستراتيجية التي توفرها جزر ماريانا لم تتغير. تُعَدُّ أعمال ترميم تينيان واحدةً من مشروعات عدة تمثل تغييراً جوهرياً في التموضع العسكري الأمريكي، وهناك أنشطة إعادة إعمار في غوام أيضاً.
- في غوام، تجري إعادة بناء مطار نورثويست فيلد، وترميم مدارج الطيران المهجورة، وزيادة عدد مواقع الهبوط، وإضافة ثكنات جديدة
- في بيليليو، تعمل الفرق على إزالة الغابات المحيطة بالمطارات القديمة، مع توسيع البنية التحتية القائمة للطرق.
- إذا اتجهنا شرقاً صوب الفلبين، فقد تم تخصيص 35 مليون دولار لبناء مرابض طائرات إضافية داخل قاعدة باسا الجوية مع احتفاظ القوات الجوية الأمريكية بحقوق استخدامها حصرياً.
- زادت عمليات نشر القوات الأمريكية كماً وكيفاً داخل أستراليا، إذ تلعب قواعد مثل تيندال دور المطارات الاحتياطية المحتملة، بعيداً عن منطقة القتال المتوقعة.
يأتي كل هذا ضمن استراتيجية المحاور والأشعة لتوسيع نطاق نشر القوات، والشحنات، والطائرات، وبالنظر من زاويةٍ أوسع، سنجد 60 مطاراً سابقاً يمكن إعادة تنشيطه في المحيط الهادئ، لكن أي مطار موجود خارج جزر ماريانا يُعتبر خارج الولاية القضائية الأمريكية، ما يُعقد الأمور.
فبعد الحرب العالمية الثانية كسبت الولايات المتحدة ولاء بالاو، وميكرونيسيا، وجزر مارشال، وذلك عبر سلسلة اتفاقيات تُعرف باسم “ميثاق الارتباط الحر”، وضمنت الاتفاقيات استحواذ واشنطن الحصري على حقوق الدفاع هناك، في مقابل مساعدات مالية سخية، لكن الميثاق شهد معارضةً قوية في جميع الحالات.
ففي بالاو مثلاً، أدى تركيب نظام رادار تاكامورا لإثارة المخاوف البيئية، كما انطلقت جهودٌ قانونية تحاول إلغاء عملية البناء. وفي الوقت ذاته، مرر مجلس الشيوخ هناك مشروع قرار يرفض نشر الصواريخ الأمريكية في البلاد، وهناك مخاوف مشابهة حيال الحقوق البيئية للسكان، واعتراضات بشأن استخدام الأراضي في ولايات ميكرونيسيا المتحدة، إذ اقترحت القوات الجوية الأمريكية تطوير مطار ياب الدولي بـ400 مليون دولار، حتى يكون صالحاً للمهام العسكرية.
وبشكلٍ عام، تُدرك الكثير من دول المحيط الهادئ أنها تقع داخل ساحة المعركة المستقبلية، لهذا لا يريدون التورط بأي صورة، وما يزيد الأمر تعقيداً هو حاجة البنتاغون لحقوق قانونية إضافية، حتى يُشيد البنية التحتية اللازمة لتوفير عمق استراتيجي أكبر، إذ إن تأمين حقوق الانتشار الدائمة، وإنشاء البنية التحتية الضرورية لأنظمة الصواريخ، سيتداخل مع سيادة الشعوب المحلية.
ولن تكون المهمة سهلةً كما تبدو، نظراً لتاريخ الاستعمار والتجارب النووية في المنطقة، ولا خلاف على صدق المخاوف المحلية، لكن الصين هي التي تضخم تلك المخاوف عادةً، إذ إن هناك علاقات تجارية وطيدة بين المستثمرين الصينيين والمشرعين المحليين، بالإضافة إلى منح سكان الجزر قائمة متزايدة من فرص الدراسة والعمل في الصين، ما عزز سمعة بكين كشريك موثوق. وقد يبدو هذا التغيير بسيطاً، لكنه أمر جلل في الواقع بالنسبة لمنطقة لم تعرف سوى النفوذ الأمريكي في الماضي.
وبينما تستعد أمريكا للصراعات المستقبلية بإعادة تنشيط مطارات الحرب العالمية الثانية، تُفضِّل غالبية دول المحيط الهادئ البقاء على الحياد، أو الحرص على إشراك الصين في المشهد بالقدر نفسه، فالسلام في النهاية يُشبه الجسر المُعلّق، الذي يستمد ثباته من توتر القوى المتساوية.
إقرأ أيضاً:
✚ اتفاقية حدودية بين الصين والهند.. تهدئة حذرة مع استمرار التنافس الجيوسياسي
✚ روسيا تستقبل قوات كوريا الشمالية وتربط خطوط الصراع الدولي في أوكرانيا والصين وإيران
✚ ممر لوبيتو الاستراتيجي: أمريكا تلاحق نفوذ الصين في أفريقيا
✚ قمة الناتو في واشنطن: تأرجح بين التهديدين الروسي والصيني والاستعداد لعودة ترامب